محمد ابو زهره

847

خاتم النبيين ( ص )

وجعل الأمير على هذه البعثة زيد بن حارثة ، فإن قتل زيد كان الأمير جعفر بن أبي طالب ، فإن قتل جعفر كان الأمير عبد اللّه بن رواحة ، فإن قتل ، فليرتض المسلمون رجلا يكون أميرا عليهم ، فلما فصلوا عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلى الشام ، ومضوا حتى أرض الشام ، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل في مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم وانضم إليهم عدد من نصارى العرب ، وبلغ عدد من انضم مائة ألف أخرى . عندما رأى جيش الإسلام ذلك كان منه من راعه العدد والسلاح ، وقالوا نكتب إلى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم نخبره بعدد عدونا ، فإما أن يمدنا بالرجال ، وإما أن يأمرنا ، لنمضى إليه ، عندما سمع عبد اللّه بن رواحة ذلك الكلام المتردد . وقف وقال : يا قوم ، واللّه ، إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ، ولا قوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا اللّه به ، فانطلقوا ، فإنما هي إحدى الحسنيين ، إما ظهور وإما شهادة . قال الناس بعد هذا الكلام المؤمن القوى : قد واللّه صدق ابن رواحة ، وتقدم جيش الرومان ، وإن كانوا يبلغون مائتي ألف ، وتقدم جيش الإسلام وهو يؤمن بقوله تعالي : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ تقدم المؤمنون في غير وجل من كثرة عدد العدو ، وقلتهم . تقدم الصفوف زيد بن حارثة ، وهو يحمل راية رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وكان على ميمنة الجيش رجل من بنى عذرة اسمه قطبة بن قتادة ، وعلى الميسرة رجل من الأنصار اسمه عباية بن مالك وانتحى المسلمون قرية من قرى البلقاء ، فالتقوا بالرومان عندها . وإذ كان المؤمنون قد أخذتهم ابتداء رهبة العدد والسلاح ، فقد أخذت الرومان رهبة الإيمان ، وإذا كان قد استطاع المؤمنون أن يتغلبوا على ما أصاب نفوسهم من فزع العدد ، فإن المائتى ألف لم يستطيعوا أن يتغلبوا على فزعهم من أنهم يلقون قوما مؤمنين أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم . قد التقى الفريقان ، الفريق المؤمن ، وهو يهاجم دفاعا عن أهل الإيمان الذين قتلهم وإلى الرومان ، ودفاعا عن كرامة الإسلام التي أهينت بقتل رسول الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وكرامة العرب وهم مزودون بمعان دافعة ، وكان جيش الرومان الكثيف في عدده وعدته ، لا غاية له إلا أن يرد هؤلاء المزودين بالقوة المعنوية ، وبنصرهم السابق ، ولذلك كان اتجاههم إلى قتل حملة الراية التي هي رمز التقدم إن تقدم حاملها ، إذ كلما تقدم زاد الهجوم قوة واحتداما وهم خائفون من هذا الهجوم ، وإن النبي صلى اللّه